من معاني الأخوة الإسلامية – لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله
من معاني الأخوة الإسلامية – لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله
  | المقالات   | 3

من معاني الأخوة الإسلامية

لسماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين؛ نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يبتلي عباده بالخير والشر، والصحة والمرض، والغنى والفقر، والقوة والضعف؛ لينظر كيف يعملون، وهل يكونون مطيعين له في حال الرخاء والشدة؟ قائمين بحقوقه سبحانه في كل الأوقات والأحوال أم لا؟ كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَة وَإِلَيْنَا تُرجَعُون[الأنبياء: ٣٥]،

وقال تعالَى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)[العنكبوت: ١-٣]؛ فالله سبحانه وتعالى يختبر العباد، ويمتحن شكرهم وصبرهم؛ لينالوا الجزاء منه؛ كل منهم على حسب حاله، وما صدر منه.

فعلى المسلم إذا أنعم الله عليه بنعمة المال أن يتذكر أخاه الفقير؛ فيواسيه من ماله، ويعينه على تحمل أعباء الحياة، ويؤدي حق الله الواجب في المال، ويتذكر دائماً قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[القَصَص: ٧٧].

وعلى المسلم إذا كان معافى في بدنه، قوياً في جسمه؛ أن يتذكر إخوانه وجيرانه المرضى والضعفاء العاجزين؛ فيعينهم على قضاء حوائجهم، ويبذل ما يستطيع؛ لتخفيف وطأة المرض عليهم. ومثل ذلك: إذا كان قوياً في علمه؛ فعليه أن ينفع المسلمين الذين حرموا نعمة العلم؛ فيرشدهم إلى ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، ويعلمهم ما أوجب الله عليهم.

كما أن على المسلم الفقير أو المريض العاجز: أن يصبر على ما أصابه، ويرجو الفضل من عند الله سبحانه، ويجتهد في فعل الأسباب المباحة التي يكشف الله بها ما أصابه؛ وعلى الجميع أن يتذكر قول الرب سبحانه: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ[إبراهيم: ٧].

وما يقال للأفراد يقال للأمم المسلمة؛ فيجب على الأمة القوية في مالها أو رجالها أو سلاحها، أو علومها أن تمد الأمة المستضعفة، وتعينها على الحفاظ على نفسها ودينها، وتمنع عنها الذئاب المتسلطة عليها من حولها، وعليها أن تؤتيها من مال الله الذي آتاها.

فهذا هو مقتضى الأخوة الإسلامية، التي عقدها الرب سبحانه وتعالى بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فقال جل شأنه: ﴿إِنَّمَا اُلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[الحجرات: ١٠]، وقال الرسول الله صلى الله عليه وسلم: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر(صحيح مسلم)، وقال صلى الله عليه وسلم : “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه“(صحيح البخاري)، وقال عليه الصلاة والسلام: “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة(أخرجه البخاري ومسلم)، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: “من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر؛ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه(أخرجه مسلم).

فهذه الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: توضح ما يجب أن يكون عليه المسلمون من التعاون، والشعور بحاجة بعضهم إلى بعض؛ ولأجل ذلك فقد قرَّر العلماء رحمهم الله: أنه لو أصيبت امرأة مسلمة في المغرب بظلم؛ لوجب على أهل المشرق من المسلمين نصرتها، فكيف والقتل والتشريد والظلم والعدوان والاعتقالات بغير حق، كل ذلك يقع بالمئات الكثيرة من المسلمين، فلا يتحرك لهم إخوانهم، ولا ينصرونهم إلا ما شاء الله من ذلك؟!.

وإنَّنا لنُشَاهد: أن الأمم النصرانية واليهودية والشيوعية وغيرها من الأمم الكافرة: تحفظ حقوق أي فرد ينتسب إليها، ولو كان يقيم في دولة أخرى بعيدة عنها، فتصدر الاحتجاجات وترسل الوعيد والتهديد أحياناً إذا لحق بواحد منهم ضرر، ولو كان مفسداً في الدولة التي يقيم في أراضيها، فإذا كان كذلك فكيف يسكت المسلمون اليوم على ما يحل بإخوانهم من حروب الإبادة، وضروب العذاب والنكال في أماكن كثيرة من هذا العالم.

وهنا تنبيه، وهو: أنه لابد أن تعلم كل طائفة وأمة لا تتحرَّك لنصرة أختها في الله، بأنه يوشك أن تصاب بمثل ذلك البلاء، الذي تسمع به أو تراه يقطّع أوصال أولئك المسلمين؛ فلا يجدون من ينصرهم أو يعمل على رفع الظلم والعذاب عنهم.

فالله سبحانه المستعان، وهو المسئول أن يوقظ قلوب العباد لطاعته، ويهدي ولاة أمور المسلمين وعامتهم إلى أن يكونوا يداً واحدة، وصرحًا متراصاً؛ للقيام بأوامر الله، والعمل بكتابه وسنة رسوله، ونصرة المسلمين، ومحاربة الظالمين المعتدين؛ عملا بقول الله سبحانه وتعالى : ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[الحج: ٤٠-٤١]، وقوله سبحانه وتعالى:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[المائدة: ٢]، وقوله عز وجل : ﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)[العَصر: ١ -٣]

أسأل الله أن يوفقنا وسائر المسلمين للأخوة الصادقة في الله، والمحبة فيه ومن أجله، وأن يهدي أبناء البشرية جميعا للدخول في دين  الله، الذي بعث به نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم، والتمسك به، وتحكيمه ونبذ ما خالفه؛ لأن في ذلك السعادة الأبدية والنجاة في الدنيا والآخرة،  كما أن فيه حل جميع المشاكل في الحاضر والمستقبل.. إنه جواد کريم.

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 

[المفيد في مجالس شهر رمضان من كلام سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله]

 

 

 

موقع راية السلف بالسودان

www.rsalafs.com