[كل خيرٍ في اتباع مَن سَلَف، وكل شرٍّ في ابتداع مَن خَلَف] الإتحاف بأقوال وقواعد الأسلاف (1) «حول مخالطة أهل الأهواء والبدع والانحراف»
[كل خيرٍ في اتباع مَن سَلَف، وكل شرٍّ في ابتداع مَن خَلَف] الإتحاف بأقوال وقواعد الأسلاف (1) «حول مخالطة أهل الأهواء والبدع والانحراف»
  | المقالات, قسم المشرف   | 614

بسم الله الرحمن الرحيم

[كل خيرٍ في اتباع مَن سَلَف، وكل شرٍّ في ابتداع مَن خَلَف]

الإتحاف بأقوال وقواعد الأسلاف (1)

«حول مخالطة أهل الأهواء والبدع والانحراف»

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه.

   أما بعد؛ فإن من أعظم ما تمَيَّزَت به دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم الرحمة والرأفة، مع الجِدِّيَّة والحسم والحزم والوضوح والحرص على المؤمنين وهدايتهم وهداية غيرهم، إلى غير ذلك من صفاتها وميزاتها العظيمة النبيلة؛ لأنها دعوة الله دعوة الحق ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ))، ((ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)).

   فهذا وضوحٌ وبيانٌ وحزمٌ وحسمٌ وإرشادٌ وتوجيهٌ لسلامة دعوة الإسلام والمسلمين، وصيانةٌ لهم وحفظٌ من مسالك وطرائق وأهواء الذين لا يعلمون مِن سائر أهل الأديان والمِلَل والفرق والطوائف المخالفة المنحرفة عن جادَّة الحق والصواب.

   وقد هضم ووعى سلفنا الصالح رحمهم الله حقيقة هذه الدعوة الراشدة الرشيدة المباركة، وهضموها وفَقِهوها كلَّ فقهٍ، وتذوَّقوا حلاوتها الإيمانية العلمية، وترجموها علمياً وعملياً وقولياً، فكانوا -بحقٍّ- أعلمَ الناس بالحق وأرحمهم بالخلق، رحمهم الله وجعلنا في نَظْمِهم وزمرتهم بمَنِّه وكرمه.

   ومِن عظيم نُصْحِ سلفنا الصالح رحمهم الله للأمة المسلمة عامةً ولحملة العلم خاصةً؛ ما قالوه من أقوالٍ حكيمةٍ وأصولٍ نافعةٍ وقواعد ناضجةٍ كنتاجٍ لِمَا استوعبوه كل استيعابٍ مِن نصوص القرآن والسنة وأصولهما، وهي خلاصاتٌ مختصراتٌ وجوامع كلماتٍ تدل على تلك الأصول والقواعد الشرعية الكلية بأوجز عبارةٍ وأجزلها لفظاً.

   ومِن ذلكم الميراث الضخم الثَّر ما قالوه وسطروه رحمهم الله  في باب الموقف الشرعي العظيم من أهل الأهواء والبدع والضلال والمخالَفَة؛ نصحاً لله ولدينه ولأئمة المسلمين وعامتهم. ونقف إن شاء الله في هذه العجالة مع مقولةٍ عظيمةٍ وقاعدةٍ متينةٍ تحت ذلك الباب (الموقف من أهل الأهواء والبدع) لعظيم الحاجة إليها في عصرنا الحاضر الذي امتلأ فِتناً، وجهلاً، وتلوُّناً، وضياعاً، ومياعةً، وتغيُّراً، وتنكُّراً عن منهج الحق الواضح. اللهم عافنا وسَلِّمنا!

  • قال الفُضيل بن عياض رحمه الله: «من أعان صاحب بدعةٍ فقد أعان على هدم الإسلام».

رواه أبو نُعيم في الحلية (8/103)، وابن الجوزي في تلبيس إبليس (15).

ونَقَلَه البربهاري في شرح السنة بلفظ: «من عظَّم صاحب بدعةٍ فقد أعان على هدم الإسلام».

   ومعنى الكلام -بفضل الله- واضحٌ ظاهرٌ؛ لأنه منطق حكمةٍ لا تكلُّفَ فيه ولا تعمُّق، وإنما حقيقة نصحٍ وتوجيهٍ وتحذيرٍ وترهيبٍ من إعانة صاحب البدعة والانحراف؛ لأن عاقبة ذلك والعياذ بالله: هدمٌ لدين الله، وتقويضٌ لشرائعه وشعائره، وطمسٌ لمعالمه؛ فإنَّ إعانة صاحب البدع تقويةٌ له على ما هو عليه من البدع ودعمٌ له ولضلاله ومخالفاته لدين الله وكما أنه خداعٌ وخيانةٌ للمسلمين وتشويشٌ وتلبيسٌ عليهم وتغريرٌ بهم، ومِن أخطر أبواب إعانته وأعظمها ضرراً على المسلمين ودينهم: الإرشاد والتوجيه إليه وجرُّهم إلى طريقه المخالِف، ومن صور ذلك وأمثلته:

(1) الإرشاد إليه.

(2) تزكيته ومدحه.

(3) وتوجيه الناس إلى أخذ العلم عنه، والنصح به.

(4) مجالسته ومؤانسته وصحبته، والسفر والنزول معه، والسرور به والبشُّ في وجهه والاحتفاء به.

(5) والظهور والبروز معه في مَجَامِعِه ومَحَافِلِه التي تخصُّه هو أو التي يُدعى إليها ويُمَكَّنُ فيها.

(6) والدفاع عنه بلا وجه حقٍّ.

(7) السكوت عليه وعنه، والصمت الدفين تجاهه وهو يعيث في الأرض فساداً.

(8) التخذيل بعدم مناصرة وتأييد من يبيِّن حاله ويكشف عواره ويردُّ عليه وينصح الأمة بالبعد عنه والحذر منه.

(9) الإرشاد إلى كتبه أو جهوده أو قَالِهِ.

(10) تزويجه أو التزوُّج منه لذاته قال الفضيل: «مَن زَوَّجَ كريمته من صاحب بدعةٍ فقد قطع رحمها» [شرح أصول الاعتقاد للالكائي/1385].

(11) تقليده في هيئته وهندامه وكلامه وحركاته وسكناته.

(12) وتوقيره وتعظيمه واحترامه، ووصفه بالمحامد والثناءات ونحوه.

(13) ودعمه بالمال والجاه، أو إرشاد السلطان إليه وحمايته.

   فرحم الله السلف على صادق نصحهم وعظيم جهدهم وجهادهم، وسَلَكَ بنا مسلكهم، وحَشَرَنا وإياهم في زمرة نبي الأمة والرحمة صلى الله عليه وسلم يوم القيامة غير خزايا ولا ندامى، والحمد لله رب العالمين.

كتبه

نزار بن هاشم العباس

24/ صفر/ 1438هـ