موقف أهل السنة من المناظرة والمجادلة والخصومات
موقف أهل السنة من المناظرة والمجادلة والخصومات
  | التفريغات العلمية والفوائد والنكت, التفريغات العلمية والفوائد والنكت من أشرطة ومقالات فضيلة الشيخ نزار بن هاشم العباس -حفظه الله   | 1066

بسم الله الرحمن الرحيم

موقف أهل السنة من المناظرة والمجادلة والخصومات

قال الشيخ نزار بن هاشم العبَّاس -حفظه الله تعالى وبارك فيه-:

»أهل السنة والحديث والأثر من السلف ليس من أصول علمهم ودينهم ومنهجهم (المناظرة والمجادلة والخُصومات) لنصرة الحق وأهله!! بل كانوا يؤصِّلون العلوم النافعة ويقرِّرونها ويدعون إليها وينافحون عنها ويردُّون على من خالفها وينصحون ويحذِّرون من أهل الشرور!! والأهواء والبدع!! وإن دعتهم الضرورة والحاجة إلى مناظرة ومجادلة المخالفين لهم من الفرق والأحزاب فعلوا لإحقاق الحقِّ وبيانه وردِّ الباطل وكشفِهِ والسعي إلى هداية المخالف وصيانة الموافق والغافل من المسلمين! بعلمٍ وحجَّةٍ من عالمٍ قادرٍ ناقدٍ متمكِّنٍ ثابتٍ أو طالب علمٍ راسخٍ على جادَّته كما ناظر وجادل نبيُّ الله إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- النَّمرود وقومه المشركين كما جاء في القرآن!! وكما ثبت عن ابن عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- مناظرتهُ ومخاطبته للخوارج وذلك بحمد الله موجودٌ متقرِّرٌ في السيرة السلفية!

    أمَّا أن تُتَّخذَ المناظرة والمخاصمة للمخالفين وسيلةً أصليَّةً في الدعوة ونشر

العلم -كما هو واقعٌ عند كثيرين اليوم ممَّن يدَّعي العلم والدَّعوة إليه- فهذا لا شكَّ ولا ريب من الخطأ والخلل والجهل، ناهيك عن مخالفة الأسلاف والأعلام، وعاقبته وخيمة من ظهور التعالم والأدعياء وبُغض الحق وردِّه من بعض المسلمين وإن ادَّعى من يدَّعي أن تلك المناظرات جاءت بخيرٍ وعرف بسببها بعضُ الناس الحقَّ -بحسب الزعم- فإنَّه يقال: ليس في الإسلام (الغاية تبرِّر الوسيلة) بل الغاية الصحيحة تدعو إلى تصحيح الوسيلة والسَّير على المسالك المرضيَّة وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر»[البخاري]!!

  • وإنَّ من أعظم الشر والخطر الذي يهدِّد المسلمين بعامَّة وطلاب العلم والشباب بخاصَّة أنَّه -بهذه الخصومات والمناظرات والمجادلات المخالفة لمنهج السلف وعلمهم- دخل وحُشِرَ من ليس من أهل العلم وطلابه في دائرة العلم والكلام في شرع الله تعالى!! حيث ظنَّ الكثيرون ولا يزالون -أصلحهم الله تعالى- أنَّ أولئك المناظرين والمخاصمين -ولو دافعوا عن الحق- من العلماء والمربِّين فحصل الفساد العلمي والفوضى المنهجيَّة واختلط الحابل بالنَّابل وجُعِلَ الجاهل عالماً وجُعِلَ العالم أو طالب العلم -السائر على منهج السلف- جاهلاً أو خائراً خائفاً من أهل البدع والضلال!!! ثمَّ وقعت حينها الطامَّة حيث ارتبط كثيرٌ من الشباب -أنقذهم الله- بالجهَّال والمخالفين واغترُّوا بهم فانصرفوا حينها وابتعدوا عن الحق وأهله العلماء وطلابهم فالله المستعان وإليه المشتكى!!!
  • فاعلم إذن يا طالب العلم والحق -رعاك الله- أنَّه ليس كل من ناظر وخاصم وجادل مخالفاً للحق من أهل البدع والضلال أنَّه على الحق والسنة يسير على المنهج السلفي!!!

    فليست المناظرة والمجادلة في ذاتها دليلاً وعلامةً على العلم والحقِّ!!! وقد قال الإمام الشَّافعي -رحمه الله- وهو من هو في العلم وإمامته: «ما ناظرتُ جاهلاً إلا وغلبني وما ناظرت عالماً إلا وغلبته» وهذا لا شك في الأمور الفقهيَّة والمسائل العلميَّة فكيف بنا نحن أيها المسلمون اليوم؟!!

    فقد يردُّ المبطل على مبطل آخر ويدحض المخالف مخالفاً آخر؛ فقد ردَّ بعض الجهميَّة والأشاعرة على الشيعة والروافض وكلٌّ مخالفٌ للمنهج السلفي وأهله وعن طريقهم منحرفٌ، وكذا قد يردُّ منتسبٌ إلى السنة على بعض الطوائف كالخوارج أو بعض المتصوفة والصوفية([1]) فلا يعني انتسابه إلى السنة أنَّه على الجادة والصواب!!! في أزمان الفتن هذه، فاحذر وانتبه يا طالب العلم والحق -حفظك الله تعالى- فكم خُدِعَ من خُدِعَ وزلَّ من زلَّ عن طريق الحق بهذه المناظرات والمجادلات المخالفة لمنهج الأسلاف!!!

  • ثمَّ اعلم -بُورك فيك- على ضوء ما مرَّ معنا أنَّ انتسابك ولزومك -بفضل الله وحده عليك- للمنهج السلفي منهج الحق وأهله لا يعني ذلك -ويحملك على- أن تناظر وتجادل -ولو بحسن نيَّةٍ من دعوةٍ ونصرة حقٍّ- وأنت في طريق العلم والتحصيل والتأصيل، بل من واجهك من المخالفين أو عوام المسلمين اربطه بالعلماء السلفيين وطلابهم وكلامهم وكتاباتهم وأشرطتهم وانقل لهم من ذلك ما تعلمه عنهم وتعيه بعلمٍ وحسن أدبٍ إن وجدتَ منهم إقبالاً وللحقِّ انصياعاً وإلا فاحذر وابتعد وانصرف عنهم وانشغل بعلمك تحصيلاً وعملاً!!! وسلِ الله العافية والثبات.

    لأنَّك إن ناظرتَ وجادلتَ وقَعْتَ في مخاطر ومهالك عظيمة منها؛

    – مخالفة السلف الصالح وما كانوا عليه من العلم الأصيل وعمق الفهم وجميل الورع، وكفى بهذا وحده شرَّاً وخطراً!!!

    – الانصراف عن العلم والعلماء السلفيين وطلابهم.

    – موت القلب أو قسوته بكثرة اللجاج والخصام!!!

    – الكبر والعجب والتعالم والتصدُّر!!!

    – فتح أبواب الشر على المسلمين وعوامهم وشبابهم خاصَّة (كما سيأتي قريباً بيان ذلك بحول الله)، ومن أعظمها؛

    – تمكين المخالفين في أوساط المسلمين وتلميعهم ورفع شأنهم والواجب عكس ذلك!!! فيتولَّد من ذلك:

    – صرف الناس -وهم في أحوج الضرورة- عن العلماء السلفيين وطلابهم وعلومهم!!! وهذا من الفساد العريض!!!

    – استخفاف أهل الأهواء والمخالفين وسخريتهم منك وزجهم بك شيئاً فشيئاً فيما لا يليق بالعلم وأهله ومكانته وآدابه من الوقار والهيبة وجميل السمت!!! من كثرة الضحك و(التنكيت) والتهريج واجتماع الغوغاء لا للعلم بل للفُرجَةِ وضياع الوقت!!!

    – تعرضك -والعياذ بالله- لنزع الله بركة العلم والفقه في دينه منك وهذا حرمانٌ وخذلانٌ يخاف منه كل مسلمٍ وطالب حقٍّ عاقل!!!… إلى غير ذلك من المحاذير والشرور. وكل خيرٍ في اتِّباع من سلف وكل شرٍّ في ابتداع من خلف!!!

    وأسوق هاهنا شيئاً من النصوص والآثار تبيِّنُ بإيجازٍ منهج السلف في باب مناظرة ومجادلة أهل الأهواء والبدع عسى أن تنفع وتردع؛

    روى مسلم في (صحيحه) عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: تلا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ((هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ))، قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: «إذا رأيتم الذين يتَّبعون ما تشابه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم».

    قال أيوب السختياني: «لا أعلم أحداً من أهل الأهواء يخاصم إلا بالمتشابه» [ابن بطة في (الإبانة الكبرى)].

    وقال -صلى الله عليه وآله سلم-: «ما ضلَّ قومٌ بعد هدىً كانوا عليه إلا أوتوا الجدل» ثمَّ قرأ: ((مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا)) [صححه الألباني -رحمه الله تعالى- في (الترغيب)، و(صحيح ابن ماجه) وهو عند (الترمذي)].

    فأفاد هذا الحديث والذي قبله أنَّ الجدل والخصومة واتِّباع المتشابه ليس من العلم في شيءٍ، وأنَّ الحذر واجبٌ من ذلك ومن أهله!!

    وقال أيضاً -صلى الله عليه وسلم-: «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم» [البخاري ومسلم]. والألدُّ: هو شديد الخصومة.

    وعن ابن عبَّاسٍ -رضي الله عنه-: «إنَّ التَّكذيب بالقدر شركٌ فُتِحَ على أهل ضلالة فلا تجادلوهم فيجري شركُهُم على أيديكم» [ابن بطة في (الإبانة الكبرى)، والآجريُّ في (الشريعة)].

    وعن الحسن البصري ومحمد بن سيرين -رحمهما الله-: «لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم ولا تسمعوا منهم» [(الإبانة) لابن بطَّة].

    وعن أبي قلابة -رحمه الله-: «لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن أن يغمسوكم في الضلالة أو يلبسوا عليكم في الدين بعض ما لُبِّسَ عليهم» [الآجريُّ في (الشريعة)، وابن بطَّة واللالكائيُّ].

  • ثمَّ انتبه! فربَّما كان المناظرُ والمخاصمُ من أهل الأهواء ذا قوَّةٍ علميَّةٍ ومكرٍ وجدلٍ فيصرع ويغلب مناظِرَه وخصمَه من أهل السنة وهو على الحق لكنه الضعف والضحالة العلمية فتكون الطَّامَّة والكارثة والفتنة العامَّة والخاصَّة والسُّخرية بالحق وأهله«.

[من رسالة (الإشارة إلى صحاب الأخدود والغلام والناطق في المهد من الإفادة)/ ص6-10]

 


([1]) راجع قريباً -بحول الله تعالى- (إيقاف مريد الطريقة النبوية على حقيقة التصوُّف والصوفيَّة). وما يقوم به البعض في حقل الدعوة الإسلامية تجاه هذا الفكر الصوفي وأهله في السودان وغيرها من تكفيرٍ جزافيٍّ وإساءة قولٍ وسخريةٍ أو اعتداءٍ وعنفٍ كما حصل من بعضهم فليس من الدعوة السلفية في شيءٍ فإنَّ علاج ما يخالف الشرع لا بدَّ أن يقوم على علمٍ ومنهجٍ سليمٍ يوافق ما كان عليه سلف الأمة الصالح وأتباعهم من أهل العلم.