حكم العمل في التخليص الجمركي وحكم التهريب للتهرُّب من الجمارك
حكم العمل في التخليص الجمركي وحكم التهريب للتهرُّب من الجمارك
  | التفريغات العلمية والفوائد والنكت, التفريغات العلمية والفوائد والنكت من أشرطة ومقالات فضيلة الشيخ نزار بن هاشم العباس -حفظه الله   | 336

بسم الله الرحمن الرحيم

حكم العمل في التخليص الجمركي

وحكم التهريب للتهرُّب من الجمارك

سُئِل فضيلة الشيخ نزار بن هاشم العباس -حفظه الله تعالى وبارك فيه-:

أسأل عن جواز العمل في (التخليص الجمركي)؟ وهل التكسب منه حلالٌ أم حرامٌ؟ وما حكم ما تبقَّى منه من مالٍ وعقارٍ وغيره؟

فأجاب -حفظه الله تعالى-:

بسم الله الرحمن الرحيم. وعليك السلام، أما بعد؛ فإنَّ الجمارك وما يؤخذ من خلال قانونها من أموال المسلمين في مقابل ما يدخلونه ويجلبونه إلى بلادهم من مواد أو سلع وأغراض خاصَّة أو تجارية عامة فإنَّه لاشك لا دليل مطلقاً عليه ولا يعرفه الإسلام بل يرفضه ويردُّه ويحرِّمه، وماورَدَ هذا القانون على المسلمين وبلادهم إلا من فكر المستعمر الكافر وسياساته المالية الجائرة كالضرائب والبنوك والتأمين التجاري فاتخده المسلمون أصلاً ومورداً ماليَّاً لازماً أوجبوه في أموال المسلمين إما أن يدفعوه وإلا مُنِعُوا ما تـمَلَّكوه بـحُرِّ أموالهم وعانوا في جمعه -فضلاً عن معاناة جلبه وإحضاره- بمصادرته ثم بيعه لغيرهم لمصلحة هذه الجمارك تحت مرأى ومسمع أصحابه والله المستعان، وكل ذلك حرامٌ في الإسلام؛ فقد قال الله تعالى: ((وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ))، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يَحِلُّ مالُ امرِيءٍ مُسلمٍ إلَّا بِطِيبِ نفسٍ مِنهُ»[صحيح الجامع]، وذكر المسلم هاهنا للدلالة على جواز أخذ مال الكافر من تجارةٍ جلَبَها لبلاد المسلمين أو مرَّ بها إلى غيرها أو بلده وهو ما يُعْرَف بالعشور وكذا الخراج أو الجزية أو الفداء والغنائم ومال المصالحة كلها تؤخذ منهم عنوةً أو عفواً، لأجل ذلك كان أخذ مال مسلمٍ بلا طيبة نفسٍ منه عنوةً وقسراً وقهراً وإكراهاً أو سرقةً واحتيالاً من أعظم الجرائم والكبائر لذا قال -صلى الله عليه وسلم-:«من قُتِلَ دونَ مالِهِ فهوَ شهيدٌ» [البخاري]، فمال المسلم حقٌّ يدافع عنه حتى الموت. وقال -صلى الله عليه وآله وسلم- أيضا: «لعن اللهُ السارقَ يسرقُ البيضةَ فتقطعُ يدُه ويسرقُ الحبلَ فتقطعُ يدُه»[البخاري] موافقاً للقرآن الآمر بقطع أيدي السراق. عليه؛ فإنَّ هذه الجمارك عملٌ غير مشروع وحرام لاشك فيه لأجل تلك النصوص وغيرها الناهية عن الظلم والتعدِّي على حقوق المسلمين ناهيك عما تفرزه وتوغر به صدور المسلمين من الغبن والضغائن والبغضاء؛ حينها نعلم علماً يقينياً لما جعل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- جرم المكوس (وهي الأموال المأخوذة عنوةً وظلماً من المسلمين كالجمارك والضرائب والعشور ونحوها) أعظم من جرم كبيرة الزنا، ومرَّةً جعلها مثلها فقد قال -صلى الله عليه وآله وسلم- حين رجم الغامدية -رضي الله عنها-: «فوالذي نفسي بيدِه! لقد تابت توبةً لو تابها صاحبُ مُكْسٍ لغُفِرَ لهُ» [مسلم]، وقال: « تُفْتَحُ أبوابُ السماءِ نصفَ الليلِ فيُنادِي مُنادٍ: هل من داعٍ فيُستجابُ له، هل من سائلٍ فيُعْطى، هل من مكروبٍ فيُفرّجُ عنه، فلا يبْقَى مسلم يدعو بدعوةٍ إلا استجابَ اللهُ عز وجل لهُ إلا زانيةً تسعَى بفرجِها أو عشَّاراً» [السلسلة الصحيحة].

هذا بيانٌ مختصرٌ لحكم الجمارك في الإسلام كما بيَّنه العلماء فقد قال الحافظ الذهبيُّ -رحمه الله- في (الكبائر): «الـمَكَّاس وَهُوَ دَاخلٌ فِي قَول الله تَعَالَى: ((إِنَّمَا السَّبِيل على الَّذين يظْلمُونَ النَّاس ويبغون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب أَلِيم))، والمكَّاس من أكبر أعوان الظلمَة بل هُوَ من الظلمَة أنفسهم فَإِنَّهُ يَأْخُذ مَا لَا يسْتَحق وَيُعْطِيه لمن لَا يسْتَحق»، وقال: «والمكاس فِيهِ شبه من قَاطع الطَّرِيق وَهُوَ من اللُّصُوص، وجابي المكس وكاتبه وَشَاهده وَآخذه من جندي وَشَيخ وَصَاحب رِوَايَة شُرَكَاء فِي الْوزر آكلون للسحت وَالْحرَام، وَصَحَّ أَن رَسُول الله -صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- قَالَ: «لَا يدْخل الْجنَّة لحم نبت من السُّحت النَّار أولى بِهِ» والسحت كل حرَام قَبِيح الذكر يلْزم مِنْهُ الْعَار»، وجاء في فتوى اللجنة الدائمة للإفتاء (4012): «تحصيل الرسوم الجمركية من الواردات والصادرات من المكوس، والمكوس حرام، والعمل بها حرام ولو كانت ممن يصرفها ولاة الأمور في المشروعات المختلفة كبناء مرافق الدولة لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أخذ المكوس وتشديده فيه»،

أما:

(1) حكم تعامل المسلم معها بدفع المال لها لإدخال أغراضه وسلعه عملاً بلائحة أنظمتها: فإنَّه عليه دفعه لها للانتفاع بها، ويصبر عملاً بالنصوص الشرعية الآمرة بذلك إذا أَخَذَت الجهات السلطانية ماله بلا وجه حقٍّ، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «تسمعُ وتطيع للأميرِ، وإن ضَرَب ظهرَك وأخذ مالَك فاسمعْ وأطعْ» [مسلم]، وقوله: «ستلقون بعدي أثرةً فاصبروا حتَّى تلقوني على الحوض» [البخاري]، وقوله:«أدُّوا إليهِم حقَّهم واسألوا اللَّهَ الَّذي لَكُم» [صحيح الترمذي] ذلك لأنَّ الدنيا متاعٌ وليست بدار قرارٍ ولحفظ أمن البلاد والعباد فإنَّ دفع المال أهون من ضياع الأمن وحلول الفساد والفوضى، وقد قال العلماء في ضوء هذه النصوص وغيرها: «فقد أمَرَنا رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- بالتَّنازل عن حقوقنا وإعطاء الحكَّام حقوقهم» وذاك من صميم الإيمان بالله والعمل بأحكامه التي تخالف الأهواء البشرية والعادات الجاهلية من ردِّ الظلم بالظلم وأخذ الحق المنزوع لو بسفك الدماء والإفساد؛ ابتلاءً من الله لخلقه وتمحيصاً، والواجب علينا تجاه ذلك وغيره من أحكام شرع الله ما قاله تعالى: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا))، وقوله: ((فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)).

(2) أما العمل في التخليص الجمركي: فهو لم يقم أصلاً إلا على قاعدة وقانون الجمارك الذي بُـيِّـنَ حكمُه سابقاً؛ فإنَّه بالنظر إلى:

أ/ كونه نوع تعاونٍ وإقرارٍ -ولو عمليَّاً- على ذلك القانون الجائر، فيقال: هو مثله في الحرمة والمنع.

ب/ وبكونه نوع تعاونٍ مع صاحب السلعة في تخليصها وتسليمها له من هذه الجهة التي لا يصل إليها إلا بالتخليص ومخلِّصه فإنه يشمل لاشك شيئاً من ذاك التعاون المذموم ويشمل من جهةٍ أخرى تعاوناً محموداً ممدوحاً من جهة معاونة المظلوم في أخذ وإنقاذ حقه من تلك الجهة، وما كان كذلك فإنَّه يقال فيه البعد والورع لأهل التقوى والورع والتحري أَوْلَى وأحوط وأرزاق الله واسعة.

أما القول بحرمته بالعموم والإطلاق فإنَّه قد لايتأتَّى والله أعلم بحسب ما فصَّلتُ آنفاً إلا إذا كان التخليص لسلع ومواد محرَّمة كالخمور، وآلات الموسيقى، وآلات التصوير، إلا لمن يستخدمها للضرورة -كالدولة للتصوير للجواز والرخصة ولحفظ أمنها كتصوير المجرمين والمفسدين لضبطهم أو البحث عنهم ونحو ذلك- والتلفزيون وشاشاته، والفيديو، والجوالات ذوات الكاميرات التي قد تُستخدم في التصوير المحرم لذوات الأرواح، أو المسجِّلات الصوتية المستخدَمة في المحرَّمات من موسيقى وأغاني وتمثيل أو أشعار وأناشيد وقصائد من مدحٍ بدعيٍّ ونحوه، وكالثياب والملابس النسائية أو الرجالية الخليعة، وألبسة الكفار، والأدهنة والزيوت والكريمات والحبوب المغيِّرة لخلق الله… إلخ (والأمثلة على ما يحرم تخليصه لذاته أو لغيره أو ينقسم حِلاًّ وحرمةً بحسب الاستخدام والمستخدمين، ضابطُه ليُعرَف حكمه في الشرع بسؤال العلماء لمن يجهل أو برجوع من يعلم إلى أدلة الشرع والمحرمات فيه) فإنَّه لاشك يكون حينها حراماً ومحرَّماً، وهذه الكثرة لما يحرم تخليصه لَتَحمِلُ أهلَ التقى والورع أيضاً على الترك والبعد فإنَّ الزمان في آخره وفي الحديث: «لا يأتي عليكم زَمانٌ إلا الذي بعدَه شرٌّ منه، حتى تَلقَوا ربَّكم» [البخاري].

ثم أشير إلى:

(3) حرمة التهريب للسلع التي عليها جمارك -مع حرمة الجمارك شرعاً كما مرَّ- وذلك لأمور:

1/ مخالفته للنصوص الشرعية الآنفة الذكر الآمرة بالصبر على الولاة وظلمهم.

2/ وبإعطائهم ما سألوه وطلبوه ولو كان ليس من حقهم.

3/ ولما يترتب عليه من شقِّ عصا طاعة الولاة وإن جاروا وتفريق الكلمة في دنيا فانية، فإنَّ ما يجريه الله على أيديهم من نعمة الأمن والاستقرار لنعبد الله وحده لا شريك له لهو أعظم نعمةٍ وغايةٍ لأجلها خلق الله عباده.

4/ ولما ينجم بل ونَـجَم من هذا التهريب وأهله من الشر من قتل الأنفس وإراقة دماء الشرطة وجنودها وكذا دماء المهرِّبين والأبرياء.

  • ولا يقول هاهنا المهرِّب إنَّه يقاتل دون ماله وهذا سبيل الشهادة!! فإنَّ ذلك قولٌ فاسدٌ وشبهةٌ باطلةٌ؛ فإنَّه خالَفَ ابتداءً وانتهاءً ما مرَّ من نصوص شرعية أُشيرَ إليها في (1و2و3و4).

5/ بل هذا التهريب يُضْعِف دول الإسلام وجيوشها ويشغلها عن عظيم مهامها من بسط الأمن وحراسة الثغور ومراقبة العدو ويُسْقِط هيبة السلطان ويجرِّيء عليه أهلَ السَّفه والشر والفساد.

6/ بل يمتد التهريب شراً وفساداً إلى تهريب البشر بشتى أصنافهم وأخلاقياتهم وإجرامهم وإلى جلب المخدرات وترويجها بين المسلمين وشبابهم وكفى بذلك شراً وفساداً. فيكون التهريب وأنواعه:

7/ سبباً لدمار الدول الإسلامية وشعوبها وإفسادها وإضعافها وصرفها عن التنبه لأعدائها المتربِّصين بها من كل حدبٍ وصوبٍ؛ فإنَّ المهرِّبين وقطَّاع الطرق البرية والبحرية من القراصنة أياد خفيَّة أو ظاهرة للعدو لتحقيق أهدافه وأطماعه للتسلط على أمة الإسلام وثرواتها.

فعلينا جميعا الرجعة إلى الله بالتوبة الصادقة من كل الذنوب شعوباً وحكاماً وتطبيق توحيده وأحكامه وشرائعه في كل مناحي الحياة لننعم بخيره في الدنيا والآخرة وليصرف عنا ما أصابنا -بتفريطنا وبُعْدِنا عن دينه- من الشرور والآفات وتسلُّط الأعداء؛ فالله يقول: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِير))، ويقول: ((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ))، وقال لمن أراد الخير وسعادة الدارين: ((وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) فاللهم ارحمنا.

وأخيراً:

(4) فرجوعاً إلى أمر التخليص للجواب على سؤال السائل -وفَّقه الله- فإنَّ المال الذي جُنِيَ من التخليص ينبني حكمه إن شاء الله على ما فُصِّلَ فيه أعلاه؛ إما أن يكون حلالاً أو حراماً أو مخلوطاً بينهما، فإن كان الجهل وعدم معرفة الحكم حاملاً على ذلك فإنَّه يُعْذَرُ به صاحبه، أما ما كان من مالٍ حرامٍ خالصٍ ومُيِّزَ فتخلَّصْ منه فيما ليس بطاعةٍ ولا قربةٍ مع التوبة الصادقة، وعليك أن تبحث مجتهداً -أعانك الله- عن عملٍ ومصدرٍ بديلٍ لا غبار عليه فيه خيرٌ لك ولأهلك في الدنيا والآخرة، والله سبحانه وتعالى قد قال: ((وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)).

هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

انتهى جواب الشيخ -حفظه الله تعالى-.

 

موقع راية السلف بالسودان

www.rsalafs.com