تفنيد بعض التبريرات الكاسدة ردَّاً على من يدافع عن الحلبي وأصوله البدعيَّة الفاسدة
تفنيد بعض التبريرات الكاسدة ردَّاً على من يدافع عن الحلبي وأصوله البدعيَّة الفاسدة
  | قسم المشرف   | 589

بسم الله الرحمن الرحيم

تَفْنِيدُ بَعْضِ التَّبْرِيرَاتِ الكَاسِدَة

رَدَّاً عَلَى مَنْ يُدَافِعُ عَنِ الـحَلَبِيِّ وَأُصُولِهِ البِدْعِيَّةِ الفَاسِدَة

سُئِلَ الشيخ الفاضل نزار بن هاشم العبَّاس -حفظه الله تعالى-:

هناك من يقول عن الحلبي: «كنتُ ولا زلتُ أرى وأطمئن إلى السكوت عن تبديعه، ولي في سُكوتي إمام بل أكثر»، ويحتج بحديث: «من قال في مؤمنٍ ما ليس فيه أسكنه اللهُ ردغة الخَبال حتى يخرج مِما قال»!!، ويقول: «لا أبدِّع بالظن، ولا أقلِّد في مثل هذا، والحال حال فتنة، فإن أصبتُ فقد سلِمتُ مِن عرض الشيخ الحلبي أو غيره، وإن أخطأتُ وكان الحق أنه مُبتدع فالكفاية حاصلةٌ بكلام العلماء، وأكون قد سلِمتُ أيضًا إذ أني أُحَذِّر مِن كل بدعة أو خطأ منه يحصل منه أو من غيره»، فيا شيخنا لو بيَّنتم لنا خطأ هذا الرجل وقوله فقد أصبح بعض الناس يقولون: «لايلزمني!».

فأجاب الشيخ -حفظه الله وبارك فيه ونفع بعلمه-:

هذا الكلام عليه ملحوظاتٌ سيئةٌ وفيه مجازفات؛ ويمكن تلخيصها ابتداءً بأنَّه: «ورعٌ باردٌ وبرودٌ في ثياب زورٍ وتقمُّصٍ للعلم»؛

(1) قد لا تجتمع كلمة العلماء في تجريح شخصٍ مخالِفٍ، والحجَّةُ المقدَّمةُ أنَّ الجرح مقدَّمٌ على التعديل والتفصيل يقويه ويظهره، وقد يكون المعدِّل أو الساكت من أهل العلم والفضل لكن لا يُعْمَلُ بسكوته وتعديله مع فضله لأجل القاعدة السابقة؛ لأنَّ المراد صيانة الدين والملة.

وقد علَّل العلماء هذه القاعدة ووجوب العمل بها لمن يعلمها وعنده ورع الدين الحق أنَّ المُجَرِّح وقَفَ على أسباب وأمور في المجروح جَرَحَه ونَقَدَه بها وقد خفيت على معَدِّلِه، ومن عَلِمَ وعرف حجَّةٌ على من لا يعلم ويعرف.

فإذاً؛ ما يقيمه الناقد المجَرِّح في شأن المجروح هو الحجَّة والبرهان والميزان وحينها لا يَرُدُّ ذلك إلا جاهلٌ بحاله مِنْ عالمٍ أو مَنْ ليس من العلم في شيءٍ أو متَّبع هوى، وهؤلاء جميعاً -مع التفاوت بينهم- لاشك ليس لديهم برهانٌ قائمٌ سليمٌ مطلقاً، فاتِّباعهم وتقليدهم ممَّن يعلم الحجة والبرهان وجَرَيان هذه القواعد في هذا الباب لا يكون إلا من جاهلٍ أو من صاحب هوى وبدعة.

والجاهل معذورٌ بجهله حتى يعلم، أما غيره فليس بمعذورٍ وتقليده تعصُّبٌ وتجاهلٌ وتملُّصٌ عن البرهان والحجة وردٌّ لها ومعارضةٌ ومشاقَّةٌ لأهل العلم الراسخين وطلابهم في هذا الأصل الأصيل، وهذا مما أدى إلى الفساد في الأرض والفتنة والصد عن الحق وأهله في ساحة الدعوة الإسلامية.

(2) ثم إذا ظهَرَت الحجج والبراهين على تبديع أو تخطئة شخصٍ وظَهَر للعيان ولمبتدِأَة الطلاب ضلالُه (كما في قضية الحلبي هذا الذي اجتمعت في حُفَرِه أصنافُ أهل البدع اليوم مِن تكفيريين خوارج وحداديَّة ومرجئة القطبيَّة وغيرهم) لا يسوغ لمن يزعم أنه في دائرة العلم والدعوة السكوت أو الركون إلى ساكتٍ ولو كان عالماً؛ فإنَّ العالِم قد يُعْذَرُ لاجتهاده أو بنوع إعذارٍ، خاصَّةً إذا كان معروفاً بالسنَّة وعُلِمَ عنه ردُّه ووقوفه في وجه المخالفين من أهل البدع والضلال والذين قد يشبهون إنْ لم يكونوا على شاكلة مَنْ سَكَت عنهم وإن خالَف غيره من العلماء في الحكم عليهم بالتجريح أو التبديع حيث تشابهت أقوالُهم وأفعالُهم.

وهذا لا يعني أَنْ لا يقال: «أخطأ العالم ولا يُتَابَع على خطئه مطلقاً»؛ لأنَّ الحجة والبرهان ليست معه في هذه القضية.

وقد كان أكابر في العلم يحسنون ظنَّاً في سيد قطب وجماعة الإخوان المسلمين وأقطابهم وبنيتهم القطبية السرورية، وكان غيرهم أكابر علمٍ أهل خبرةٍ ودرايةٍ بالقوم خالَفُوهم ونَقَدُوهم بالأدلة وذات أقوالهم وصنيعهم فَقُدِّمَت أقوالُهم وأحكامُهم وإن كانوا دونهم علماً وسنَّاً لكنه الحق الذي يُعْرَف بالحق والحجة.. دارَ الزمان ثم اتَّفقت كلمة الجميع واجتمعوا على تضليل هذه الفرق وأفكارها وأصحابها، واليوم خير شاهدٍ ناطقٌ -بفضل الله وحده- على ذلك؛ فليس الإجماع حجةً وشرطاً في الجرح والنقد لكن لمَّا كان حقَّاً بحمد الله والأمَّةُ -أمَّةُ الحق والمتابَعة- لا تجتمع على ضلالةٍ اجتمعت كلمتُهم اليوم وستجتمع على تضليل الحلبي -وغيره-؛ لأنَّ المشرب والمنهج الحلبي اليوم جَمَع أهل الفتن والضلالة المتولِّدة من قيح هذه الفرق والطوائف، وقد أيقن المسلمون هذه الحقائق بأيدي فساد هذه الفرق المنحرفة التي لم تَسْلَم منها سائر بلاد المسلمين؛ نسأل الله العافية.

(3) عليه: فإنَّ هذا القول طعنٌ مُبَطَّنٌ قبيحٌ في العلماء السلفيين الناقدين الجارحين للحلبي وأنَّهم ليسوا بأهل ورعٍ وتقوى حين تكلموا في الحلبي وغيره!! وهذه إساءةٌ وسفاهةٌ، وفي المقابل:

(4) يُظْهِرُ هدْا القائلُ المتعالم المتعالي نفسَه في مظاهر الورع والتقوى والتحرِّي بحجَّة السكوت التي ظَهَرَت عدم حجيتها وأنَّها مجرَّد تحايلٍ على النفس والغير لتحقيق التملُّص والهروب الذي لا يجدي عن أسد الحِجَاج.

(5) ومِن أخبث ما في هذا القول: صَرْفُ المسلمين وشبابهم وطلاب العلم المبتَدِأَة عن العلماء السلفيين المتكلِّمين في الحلبي وغيره من أهل الأهواء والبدع بتأسيس شبهتين ضارَّتين فاسدتين:

  1. وَرَعٌ كاذِبٌ كذوبٌ بلزوم السكوت لأنه أحرى للديانة!!!
  2. مُتَابَعَة -في غير محلها- للعلماء الساكتين أو المعدِّلين؛ التي لا تُغْنِي كما سلف.

(6) التدليس على المسلمين بإنزال النص في غير محله «من قال في مسلمٍ ما ليس فيه أسْكَنَه الله ردغة الخبال»، وهذا جهلٌ وتلبيسٌ فإنَّ الحلبي لم يُقَلْ فيه ما قِيلَ من التبديع والتضليل إلا بسبب ما قال وسَطَر ووقف من مواقف الضلال؛ فإنَّ التبديع أصلٌ ناتجٌ عن حُكْمٍ على المجروح بأقواله وأفعاله وليس بتقويلٍ واتهامٍ له. عليه:

(7) فقوله: «لا أبدِّع بالظن»!! فاسدٌ باطلٌ؛ لأنَّه مبنيٌّ على فهمٍ فاسدٍ للنصِّ أو جهلٍ وتعالُمٍ؛ فإن التبديع لا يكون على الظن بل على القطع من خلال ما وَقَفَ عليه من الأقوال والفعال المخالِفَة للحق وأهله، ولا أدري من أين جاء بهذا الكلام؟!! إلا مِنْ نَفَسِ الجهل!!!

(8) وقوله: «لا أقلِّد في مثل هذا» فاسدٌ أيضاً!! لأنَّه مبنيٌّ على دعوى الورع الكاذب والبرود عن نصرة الحق، فيقال: نحن كسلفيين نبدِّع الجهميَّة والمعتزلة… إلخ فرق الضلال وكذا من بدَّعه أهل العلم السابقين في دواوين الجرح والتعديل، ونقول: فلان مبتدعٌ بدَّعه أحمد الإمام وضلَّله الإمام إسحق ووو… إلخ، ونقبل كلامهم على وجه التسليم لأنهم أهل ديانةٍ وورعٍ ونصرةٍ للحق حتى لو لم يظهر لنا سبب حكمهم وعلَّتهم في ذلك لأنهم أهل ذاك الزمان الغابر، هذا لا ينازع فيه منازِعٌ على علمٍ وبصيرةٍ بلاشك، ونحن في هذا مقلِّدون لهم ومتَّبِعون ومتَتَبِّعون لأقوالهم، وعلى ذات المنوال اليوم علينا أن نسير في ركاب علماء السلفيَّة الناقدين الجارحين بالحق للمخالفين، فكيف إذا بيَّنوا البرهانَ وبرَّروا نقدَهم وجرْحَهم وفسَّروه؟!! فإذاً هناك نوع تقليدٍ لا يُذَمّ ولا أصحابه بل يُمْدَحُوا لأنهم؛

  1. وقفوا في حدِّ العلماء ومنهجهم وأحسنوا واجب الظن الحسن تجاههم لأنهم أمناء ثقات -حسيبهم الله جميعاً-.
  2. ولأنهم عرفوا قَدْرَ أنفسهم حين لم يدركوا ما أدْرَك أولئك الأئمة -قديماً وحديثاً- في شأن منقوديهم ومجروحيهم ولم يقيموا حاجز الاعتراض عليهم والمخالَفَة لهم بحجج البحث عن الورع والسلامة تجاه مخالفي الحق.

إذا لم نُرَاعِ بعلم هذه الأمور العلمية الدقيقة ونعرف قدْرَ أنفسنا وقدْرَ علماء الأمة السلفيين قديماً وحديثاً سنفتح أبواب الضلال والفساد والفتن على أمَّتنا المكلومة بظلام الجهل إلا من أنقذ اللهُ وما أقلهم عدداً!!! وسنُسْقِط أقوالَهم وأحكامَهم المُنْصِفَة على المخالفين وأهل الأخطاء -قديماً وحديثاً- ولو كانوا من الجهميَّة والمعتزلة والخوارج والروافض… إلخ، ونُسْقِط مواقفهم الدينيَّة من أهل الأهواء والبدع!!

فعلى شباب الأمة الطلاب التفطُّن واليقظة والنباهة والحذر من مثل هذه الترَّهات وواهي الشبهات المُصَادِمَة للمنهج السلفي وأهله التي يريد أصحابُها الإيقاعَ  بالأمة في وحل ومستنقعات المخالفين وأهوائهم.

(9) وقوله: «فالكفاية حاصلةٌ بكلام العلماء، وأكون قد سلِمتُ أيضًا إذ أني أُحَذِّر مِن كل بدعة أو خطأ منه يحصل منه أو من غيره» فيه تناقضٌ وتحايلٌ على العقول وتصنُّعُ طريقةٍ علميَّةٍ غريبةٍ!! وتملُّصٌ عن تبديع الحلبي بلا حجةٍ معتبرة في ميزان العلم، ويظهر ذلك بضَرْبِ مثالٍ وافتراضٍ -تقريباً للفهم وبياناً لمحل خلل القول ومراوغة صاحبه-: لو بَدَّعَ أحدُ أئمة العلم السابقين كأحمد -رحمه الله- شخصاً فقال: «فلان مبتدع»! فنَقَلَ ناقلٌ كلام أحمد ثم قال هذا الناقلُ: «وأنا لا أبدِّعه تورُّعاً وخوفاً من قول ما ليس فيه فيشملني النص: «من قال في مسلمٍ ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال» ولكني أبيِّن بدعه وأخطاءه وأردُّ عليها…»!!! أهذا صميم علمٍ أم صميم جهلٍ؟!! أهو ورعٌ وتقوى؟!! أم طعنٌ وغمزٌ وتَعَدٍّ على أئمة هذا الدين وحماته؟!! وتَعَدٍّ للعلم وحدوده وآدابه؟!!

فإذا فُهِمَ المثال وَقَفْنَا على سوء وخبث المقال وظلمة الجهل والخداع من تحت زور ثياب العلم والورع!!

ثم يقال -ختاماً-:

(10) إقرارك بوجود الأخطاء والبدع من الحلبي -وغيره- وحُكْم العلماء عليها وعلى صاحبها بالبدعة بعد بيانهم لها وإظهارها بكل وضوحٍ مع إصرار الحلبي وعناده وكبره وتماديه واحتضانه لرؤوس المخالفين للسلفيَّة وأهلها وسوء أدبه مع العلماء السلفيين الناقدين له وفي المقابل ثناؤه واحترامه وتوقيره لمخالفيهم وخصومهم وتوفيره لهم أرض سوءٍ ينطلقون من خلالها في هجمةٍ شرسةٍ على الحق وأهله.. والحمد لله القائل: ((إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الـمُفْسِدِين)) يحملك هذا وغيرُه على متابعتهم -أي علماء السلفية- كل المتابعة في تبديعه، بل هذا حقيقة الورع والغيرة على دين الله وعلمائه الأجلاء والخوف على الأمة من الفتن والشر والضياع؛ فإنك إن لم تدرك أسباب تبديع العلماء له لِقِصَرِ علمك وإدراك عقلك فتقليدهم سائغٌ واجبٌ في هذه القضية الخطيرة العلميَّة العقديَّة المنهجيَّة لأنَّ المخالَفَة هاهنا تولِّد شرَّاً وصدَّاً عن سبيل الحق وأهله، فكيف إذا انضاف تبريرُك لها بنوع ورعٍ لا يسلم من النقد -كما سلف- ولستَ بأورع من علمائنا وأحرص على دين الله منهم وصيانتهم له وأهله وهم أجلُّ علماً وفهماً وإدراكاً، بل لم تُعْرَف حقائق الحلبي وضلالاته ويُكْشَف حالها بياناً وتفنيداً وردَّاً بفضل الله إلا بهم -أثابهم الله- على رأسهم العلامة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله ومن معه-، فإنْ قَبِلْنَا بيانهم وردَّهم العلمي بكل رحابة صدرٍ لأنه حقٌّ ونُصْحٌ فما الذي يمنعنا ويصدنا عن قبول تبديعهم له؟!! فمن حَكَمَ على أخطاء الحلبي بالخطأ والبدعة ثم حَكَمَ عليه بسببها بالتبديع العلمي أيُتَّبَع أم يُخَالَف ويُعَارَض؟!! ((فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ))..

فاللهم علِّمنا ما ينفعنا، ولا تضلَّنا بعد إذ هديتنا، وتوفَّنا وأنت راضٍ عنَّا.

:::::::::::::::::::::

انتهى جواب الشيخ -حفظه الله تعالى وبارك فيه ونفع بعلمه-.

بتأريخ: 8/ جمادى الأولى/ 1435هـ

موقع راية السَّلف بالسُّودان

www.rsalafs.com